وعود أُخلفت
مقدمة التقرير 08 كتبت تضامناً مع المدافعين عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم في الذكرى السنوية الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لا شك أن زعماء العالم مدينون بالاعتذار عن تقاعسهم عن الوفاء بما وعدوا به في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، الذي أصدروه منذ 60 عاماً، من تحقيق العدل والمساواة. فعلى امتداد العقود الستة الأخيرة كان اهتمام عدد كبير من الحكومات بالانحراف بالسلطة أو بتحقيق مصالحها السياسية الخاصة أكبر من اهتمامها باحترام حقوق الذين يعيشون في كنفها.
ولا يعنى هذا إنكار التقدم الذي تحقق في وضع معايير حقوق الإنسان، وإنشاء نظمها ومؤسساتها على المستويات الدولية والإقليمية والوطنية، إذ تحسنت أوضاع كثيرة في مناطق شتى من العالم استناداً إلى هذه المواثيق والمبادئ، فازداد اليوم عدد البلدان التي توفر الحماية القانونية والدستورية لحقوق الإنسان عما كان عليه في أي وقت مضى. ولم تعد هناك سوى حفنة ضئيلة من الدول التي تنكر علناً حق المجتمع الدولي في فحص سجل حقوق الإنسان الخاص بها. كما شهد عام 2007 قيام "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة بعمله على مدار عام كامل لأول مرة، إذ وافقت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة على أن تتخذ من هذا المجلس ساحةً للمناقشة العلنية بخصوص مدى مراعاة حقوق الإنسان في تلك الدول.
ولكن على الرغم من هذا الجانب الإيجابي، فالواقع أن الظلم والتفاوت والإفلات من العقاب لا تزال سمات مميزة لعالمنا اليوم.
وكان عام 1948 قد شهد عملاً يدل على القدرة الفذة على القيادة، عندما اجتمع قادة العالم لإصدار "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وأبدت الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، اليافعة آنذاك، قدراً كبيراً من بُعد النظر والشجاعة بتعبيرها عن إيمانها بالقيم العالمية، إذ كانت على وعى عميق بأهوال الحرب العالمية الثانية، كما كانت تدرك جوانب الواقع المرير للحرب الباردة الناشئة. ولم تكن هذه الرؤية مقصورة على ما حدث في أوروبا، فقد شهد عام 1948 أيضا حصول بورما على الاستقلال، واغتيال المهاتما غاندي، وسَنَّ قوانين الفصل العنصري لأول مرة في جنوب إفريقيا، كما كانت مناطق كبيرة من العالم لا تزال تعانى من نير الاستعمار.
وكان الذين تَولَّوْا صياغة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" يحفزهم الإيمان بأنه من المحال مواجهة تحديات المستقبل إلا من خلال نظام متعدد الأطراف للقيم العالمية، يستند إلى المساواة والعدل وسيادة القانون ومن ثم، قاوموا الضغوط التي تعرضوا لها من المعسكرات السياسية المتنافسة مقاومةً تشهد لهم بالقدرة الحقيقية على القيادة، كما رفضوا وضع مراتب تفضيل ما بين الحق في حرية التعبير والحق في التعليم، والحق في عدم التعرض للتعذيب والحق في الضمان الاجتماعى، وأبدوا إدراكهم أن مبدأ عالمية حقوق الإنسان، بمعنى أن كل فرد قد ولد حراً يتمتع بالمساواة، ومبدأ الترابط بين هذه الحقوق وأنها كل لا يتجزأ، بمعنى أنه لابد من الوفاء بجميع الحقوق سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو مدنية أو سياسية أو ثقافية والالتزام بها جميعاً على قدم المساواة، يمثلان الأساس اللازم لأمننا الجماعي وإنسانيتنا المشتركة.
ولكن القيادة ذات البصيرة ما لبثت أن توارت في السنوات التالية وحلت محلها المصالح السياسية الضيقة، وأصبحت حقوق الإنسان لعبة تؤدى إلى الفُرقة حين اشتبكت الدولتان "العُظْميان" في صراع أيديولوجي وجغرافي سياسي لإثبات التفوق. فكان أحد الطرفين ينكر الحقوق المدنية والسياسية، والطرف الآخر يقلل من قيمة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. وكانت حقوق الإنسان تُستعمل أداةً لتلبية غايات لإستراتيجية، بدلاً من أن تكون سبيلاً لتعزيز كرامة البشر ورفاهيتهم. وسرعان ما وقعت البلدان التي كانت قد استقلت منذ عهد قريب في شراك المنافسة بين الدولتين "العظميين"، فراح بعضها يناضل في سبيل الديمقراطية وسيادة القانون، بينما كان البعض الآخر يتجاهلهما تماماً مطبقاً أشكالاً شتى من التسلط والاستبداد.
وانتعشت الآمال بنصرة حقوق الإنسان بانتهاء الحرب الباردة، ولكن هذه الآمال تحطمت عندما اندلعت الصراعات العِرقية، وتفتتت بعض الدول، مما تسبب في وقوع عدد كبير من حالات الطوارئ الإنسانية المتوالية التي اتسمت بانتهاكات هائلة وبشعة لحقوق الإنسان. وفى غضون ذلك استشرى الفساد وساد في عدد كبير من مناطق العالم، إلى جانب ضعف الحكم وانتشار إفلات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب.
ومع دخول العالم إلى مشارف القرن الحادي والعشرين، أدت الهجمات الإرهابية التي وقعت في 11 سبتمبر/أيلول 2001 إلى تحويل النقاش عن حقوق الإنسان من جديد إلى جدل يثير الفُرقة والانقسام والهدم، بين "الغربيين" و"غير الغربيين"، ويحد من الحريات، ويُذكي مشاعر الارتياب والخوف والتمييز والتعصب، فيما بين الحكومات وبين الشعوب على حد سواء.
وأتت قوى العولمة الاقتصادية بوعود جديدة، ولكنها أتت بتحديات جديدة أيضاً. فعلى الرغم من ادعاء زعماء العالم أنهم ملتزمون باستئصال شأفة الفقر، فقد تجاهلوا في الغالب الأعم انتهاكات حقوق الإنسان التي تنتج الفقر وتزيده عمقاً. وهكذا ظل "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" مجرد وعود على الورق.
ولعل ما يثير أشد الدهشة اليوم، عند إلقاء نظرة على الماضي، هو ما أظهرته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة من وحدة الهدف حين اعتمدت "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" دون أي صوت مُعارض. ففي مواجهة عدد كبير من أزمات حقوق الإنسان المُلحَّة في الوقت الراهن، لا توجد رؤية مشتركة بين زعماء العالم بشأن التصدي للتحديات المعاصرة في مجال حقوق الإنسان المعاصرة وسط عالم يزداد تعرضه للأخطار وافتقاره إلى السلامة والمساواة.
لقد أصبحت الساحة السياسية اليوم تختلف اختلافاً شاسعاً عما كانت عليه منذ 60 عاماً، إذ ازداد كثيراً عدد الدول عما كان عليه عام 1948، وبرزت بعض المستعمرات السابقة للنهوض بأدوار عالمية إلى جانب السادة الاستعماريين السابقين. فهل لنا أن نتوقع أن تجتمع الدول القديمة والجديدة وتتكاتف، مثلما فعل أسلافها عام 1948، وأن تلتزم باحترام حقوق الإنسان؟ الواقع أن سجل عام 2007 لا يبعث على التفاؤل، فهل تنجح القيادة الجديدة وضغط المجتمع المدني في إحداث أية تغييرات في هذا العام الذي يوافق ذكرى مرور 60 عاماً على صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"؟
فهل لنا أن نتوقع أن تجتمع الدول القديمة والجديدة وتتكاتف، مثلما فعل أسلافها عام 1948، وأن تلتزم باحترام حقوق الإنسان؟
سجل كئيب
لما كانت الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم، فإنها تحدد معايير السلوك الحكومي على مستوى العالم كله. ولقد واصلت الإدارة الأمريكية، في ظل تعتيم قانوني مذهل، جهودها لإضعاف الحظر المطلق على التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة، ورفض كبار المسؤولين إدانة استخدام أسلوب "الغمس في الماء"، الذي ذاع صيته السيئ. وأجاز الرئيس الأمريكي لوكالة "الاستخبارات المركزية الأمريكية" مواصلة الاعتقالات والتحقيقات السرية، رغم أنها تُعد بمثابة جريمة دولية هي جريمة الإخفاء القسرى. وما زال مئات من السجناء في غوانتنامو وبغرام، فضلاً عن آلاف في العراق، محتجزين دون تهمة أو محاكمة، ومضى على كثيرين منهم ما يزيد على ستة أعوام. ولم تكتف الحكومة الأمريكية بالتقاعس عن محاسبة قواتها في العراق بشكل كامل عما تقترفه من انتهاكات، بل ساعدت في وضع مزيد من العقبات أمام المحاسبة، إذ أصدرت "سلطة التحالف المؤقتة"، في يونيو/حزيران 2004، أمراً يمنح شركات أجنبية خاصة للخدمات العسكرية والأمنية، تعمل في العراق، حصانةً من المقاضاة أمام المحاكم العراقية. وقد ثارت مخاوف على نطاق واسع في أعقاب مقتل ما لا يقل عن 17 مدنياً عراقياً، في سبتمبر/أيلول 2007، على أيدي حراس يعملون لدى واحدة من تلك الشركات الأمنية الخاصة، وهي شركة "بلاكووتر". والواضح أن هذه الإجراءات لم تفلح في دعم مكافحة الإرهاب، بل أضرت ضرراً كبيراً بهيبة الولايات المتحدة ونفوذها في الخارج.
ولقد تبدى زيف ما تدعو إليه الإدارة الأمريكية من ديموقراطية وحرية خارج حدودها في مواصلة تأييدها للرئيس الباكستاني برويز مُشرَّف عندما اعتقل آلاف المحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين بسبب مطالبتهم بالديموقراطية وسيادة القانون واستقلال القضاء في باكستان. وعندما قام الرئيس مُشرَّف، بصورة غير مشروعة، بفرض حالة الطوارئ، وعزل كبير القضاة، وملء المحاكم العليا بقضاة أقرب إلى الإذعان له، بررت الإدارة الأمريكية تأييدها له بأن قالت إنه حليف "لا غنى عنه" في "الحرب على الإرهاب". بيد أن زيادة انعدام الأمن في المدن وفى المناطق الحدودية لباكستان تدل على أن السياسات القمعية للرئيس مُشرَّف، بما في ذلك حالات الإخفاء القسرى والاعتقال التعسفي، لم تنجح على الإطلاق في إيقاف عنف المتطرفين، بل غذَّت المظالم وساعدت في تأجيج المشاعر المناهضة للغرب، وغرست بذور مزيد من الاضطرابات في تلك المنطقة. وقد أعلن الشعب الباكستاني رفضه الشديد لسياسات الرئيس مُشرَّف، حتى مع استمرار الولايات المتحدة في احتضانه.
إن العالم يحتاج إلى أن تصبح الولايات المتحدة دولة تؤمن إيماناً حقاً بقضية حقوق الإنسان وتلتزم بها التزاماً أصيلاً، في الداخل والخارج. ولن يتأتى للولايات المتحدة أن تتمتع بالسلطة المعنوية باعتبارها نصيرةً لحقوق الإنسان، إلا إذا أغلقت الإدارة المقبلة معتقل غوانتنامو، وقدمت المعتقلين فيه للمحاكمة أمام المحاكم الاتحادية العادية أو أطلقت سراحهم. وعليها أن تلغى "قانون اللجان العسكرية" وتكفل احترام القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان في جميع العمليات العسكرية والأمنية. وعليها أن تحظر الأخذ بالأدلة المنتزعة تحت وطأة التعذيب، وتدين جميع أشكال التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة مهما تكن الغاية المنشودة. وعلى الإدارة الجديدة أن تضع إستراتيجية ناجعةً لتحقيق السلم والأمن الدوليين. وعليها أن تقلع عن تأييدها للقادة المتسلطين، وتستثمر دعمها في المؤسسات الديموقراطية وسيادة القانون وحقوق الإنسان، فذلك من شأنه أن يكفل الاستقرار لأمد بعيد، كما يجب أن تكون على استعداد لإنهاء عزلة الولايات المتحدة في المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وأن تشارك مشاركة بناءةً في "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة.
وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد أحرزت تفوقت على مدى الأعوام الأخيرة في تحديها للقانون الدولي، فقد أظهرت الحكومات الأوروبية ميلاً إلى المعايير المزدوجة. فالاتحاد الأوروبي يقول إنه "اتحاد للقيم، يُوحِّده احترام سيادة القانون، وتُشكِّله المعايير المشتركة واتفاق الآراء، وإنه ملتزم بالتسامح والديموقراطية وحقوق الإنسان". ولكن عام 2007 كشف عن أدلة جديدة تثبت أن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد تغاضت عما تفعله وكالة "الاستخبارات المركزية الأمريكية" أو تواطأت معها في اختطاف بعض السجناء واحتجازهم سراً ونقلهم بصورة غير مشروعة إلى بلدان تعرضوا فيها للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة. وعلى الرغم مما طالب به مجلس أوروبا مراراً، لم تقم أي من الحكومات الأوروبية بإجراء تحقيق شامل في الأخطاء المرتكبة والإعلان عنها واتخاذ التدابير اللازمة لتحاشى استخدام الأراضي الأوروبية في المستقبل لاحتجاز السجناء ونقلهم أو للاعتقالات السرية.
وعلى العكس من ذلك، فقد حاولت بعض الحكومات الأوروبية التحايل على الحكم الذي أصدرته "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" عام 1996، الذي يحظر إعادة المشتبه فيهم إلى بلدان يُحتمل أن يواجهوا التعذيب فيها. وقد أصدرت المحكمة حكماً في واحدة من قضيتين عُرضتا عليها في عام 2007، فأعادت تأكيد الحظر المطلق للتعذيب وغيره من أشكال المعاملة السيئة.
وإذا كان الكثيرون يتذمرون من الإفراط في القواعد المنظمة في إطار الاتحاد الأوروبي، فليس ثمة غضب يُذكر إزاء افتقار الاتحاد الأوروبي إلى قواعد منظمة بشأن حقوق الإنسان داخل كل بلد. وحقيقة الأمر أن الاتحاد الأوروبي لا يستطيع مساءلة الدول الأعضاء فيه فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان التي لم ينص عليها قانون الاتحاد الأوروبي. وقد أُنشئت "هيئة الحقوق الأساسية" في عام 2007، ولكنها مُنحت صلاحيات محدودة لا تمكنها من أن تطلب أي مساءلة حقيقية. وإذا كان الاتحاد الأوروبي يضع معايير صارمة بشأن حقوق الإنسان في حالة البلدان المرشحة التي تسعى إلى الانضمام إليه، وهو محق في ذلك، فإن هذه البلدان ما إن تنضم إليه حتى يصبح بوسعها أن تنتهك تلك المعايير دون أن يسائلها الاتحاد الأوروبي مساءلة تذكر أو دون أن يسائلها على الإطلاق
فهل يستطيع الاتحاد الأوروبي، أو تستطيع الدول الأعضاء فيه، مطالبة الصين أو روسيا باحترام حقوق الإنسان بينما هذه الدول متواطئة في التعذيب؟ وهل يستطيع الاتحاد الأوروبي أن يطلب من بلدان أخرى، أفقر كثيراً من بلدانه، أن تفتح حدودها، إذا كانت الدول الأعضاء فيه تفرض القيود على حقوق اللاجئين وطالبي اللجوء؟ وهل تستطيع هذه الدول أن تدعو إلى التسامح خارج حدودها، بينما تتقاعس هي عن التصدي للتمييز ضد طائفة "الروما" (الغجر) والمسلمين وغيرهم من الأقليات المقيمين داخل حدودها؟
وكما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، فسوف يأتي العام المقبل بمراحل انتقالية سياسية مهمة للاتحاد الأوروبي. فمعاهدة لشبونة، التي وقعتها حكومات الاتحاد الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول 2007، تقتضي وضع التزامات مؤسسية جديدة فيما بين الدول الأعضاء، كما إن الانتخابات وبعض التطورات الأخرى في عدد من الدول الرئيسية جاءت أو سوف تجئ بقيادات سياسية جديدة، وسوف توفر هذه فرصاً لاتخاذ إجراءات بشأن حقوق الإنسان داخل الاتحاد الأوروبي وعلى مستوى العالم كله.
ومع تعثر خطى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تحسين سجل حقوق الإنسان لديهما، تتراجع قدرتهما على التأثير في الآخرين. وكان أسطع مثال على انعدام هذا التأثير فيما يتعلق بحقوق الإنسان حالة ميانمار في 2007، إذ انْقَضَّتْ حكومة الانقلاب العسكري انقضاضاً عنيفاً على المتظاهرين السلميين بقيادة الرهبان، وهاجمت الأديرة وأغلقتها، وصادرت الممتلكات ودمرتها، وأطلقت النار على المشاركين في الاحتجاج واعتدت عليهم بالضرب وزجت بهم في السجون، كما قامت بمضايقة أصدقائهم أو أفراد أسرهم أو احتجزتهم رهائن. وأعربت الولايات المتحدة، مثلما أعرب الاتحاد الأوروبي، عن أشد صور الإدانة لهذه الأعمال، وأحكما قبضة الحظر الذي يفرضانه على التجارة وتوريد الأسلحة إلى ميانمار، دون أن يُحدث ذلك تأثيراً يُذكر، أو دون أن يُحدث أي تأثير على الإطلاق في الواقع الفعلي لحقوق الإنسان. فقد استمر اعتقال الآلاف في ميانمار، وكان من بينهم ما لا يقل عن 700 من سجناء الرأي، وأبرزهم السيدة أونغ سان سوكى، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، والتي أمضت 12 عاماً من الأعوام الثمانية عشر الماضية قيد الإقامة الجبرية في المنزل.
ولم يكن الحال في دارفور أفضل من مثيله ميانمار إذ عجزت الحكومات الغربية عن إحداث تغيير يُذكر في وضع حقوق الإنسان. وإذا كانت الغضبة العالمية وتعبئة الرأي العام على نطاق واسع قد حفرا اسم دارفور في ضمير العالم، فإن ذلك لم يؤد إلى تخفيف معاناة شعب دارفور بأي قدر يُذكر، بل تستمر أحداث القتل العمد والاغتصاب والعنف دون هوادة. وإن كان هناك من تغيير ما، فهو أن الصراع ازداد تعقيداً وأصبحت فرص التسوية السلمية أكثر بُعداً. وعلى الرغم من سلسلة القرارات التي أصدرها مجلس الأمن الدولي، لم يتحقق حتى الآن نشر جميع أفراد القوة المشتركة للاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
الاتحاد الأوروبي لا يستطيع مساءلة الدول الأعضاء فيه فيما يتعلق بمسائل حقوق الإنسان التي لم ينص عليها قانون الاتحاد الأوروب
القوى الناشئة
وسواء كان الأمر يتعلق بحالة ميانمار أو دارفور، لم يتطلع العالم إلى الولايات المتحدة بل إلى الصين باعتبارها البلد الذي يتمتع بالقوة الاقتصادية والسياسية اللازمة لتحريك القضية. وكان لدى العالم ما يبرر هذا الموقف خير تبرير، فالصين هي أكبر شريك تجارى للسودان وثاني أكبر شريك لميانمار. وقد بينت البحوث التي أجرتها منظمة العفو الدولية أن الصين أرسلت شحنات أسلحة إلى دارفور، منتهكةً بذلك الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد السلاح. ولطالما بررت الصين تأييدها للحكومات التي ترتكب الانتهاكات، مثل حكومات السودان وميانمار وزمبابوي، استناداً إلى تعريفها لحقوق الإنسان باعتبارها من الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، لا باعتبارها من قضايا سياستها الخارجية، ما دام ذلك يلائم المصالح السياسية والتجارية للصين.
ولكن موقف الصين لا يتسم بالثبات الدائم أو الجمود. فقد صوتت في عام 2007 لصالح نشر قوة حفظ السلام المشتركة في دارفور، وضغطت على ميانمار حتى تقبل زيارة مبعوث الأمم المتحدة الخاص، وقلَّلت من تأييدها المعلن لرئيس زمبابوي روبرت موغابى. وربما كانت العوامل التي دفعت الصين في الماضي إلى إقامة علاقات مع نُظم القمعية حاكمة هي نفسها التي تدفعها اليوم إلى التغييرات التي تجريها في سياساتها تجاه هذه النُظم، ألا وهي حاجتها إلى مصادر موثوق بها للطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية. ولطالما أكدت منظمة العفو الدولية، وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان، إن البلدان التي لا تتمتع بسجلات ناصعة لحقوق الإنسان لا تتمتع بالمناخ الصالح للتجارة، فالتجارة تحتاج إلى الاستقرار السياسي، وحقوق الإنسان توفر هذا الاستقرار. وربما كانت الصين قد بدأت تدرك هي الأخرى أن تأييد النُظم الحاكمة المزعزعة، التي لها سجل سيئ في مجال حقوق الإنسان، لا يؤدى إلى النجاح المنشود في التجارة، وأن عليها، في سبيل حماية أرصدتها ومواطنيها في الخارج، أن تؤيد القيم العالمية التي تؤدى إلى الاستقرار لأمد بعيد.
وعلى الرغم من التحولات التي أجرتها الصين في علاقاتها الدبلوماسية، فلا يزال أمامها شوط طويل، إذ ما زالت أكبر من يمد السودان بالأسلحة منذ عام 2004، كما استخدمت حق النقض، في يناير/كانون الثاني 2007، للحيلولة دون إصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين ممارسات ميانمار في مجال حقوق الإنسان، ولم تبدأ الوفاء بما وعدت به فيما يتعلق بحقوق الإنسان في فترة الإعداد لدورة الألعاب الأوليمبية في بكين. وإذا كانت قد أجرت بعض الإصلاحات فيما يتعلق بتطبيق عقوبة الإعدام وتخفيف القواعد الخاصة بعمل أجهزة الإعلام الأجنبية في عام 2007، فقد تضاءلت قيمة هذا كله بسبب الانقضاض على نشطاء حقوق الإنسان في الصين، وعلى أجهزة الإعلام المحلية، والتوسع في أسلوب "إعادة التثقيف من خلال العمل"، وهو شكل من أشكال الاعتقال دون تهمة أو محاكمة، ويجرى في إطار "تطهير" العاصمة بكين قبل انعقاد دورة الألعاب الأوليمبية.
والواقع أن فترة الإعداد لدورة الألعاب الأوليمبية في بكين قللت من فرص تحسين أحوال حقوق الإنسان في الصين وزادت من المواجهة بسببها، فإذا ما انجلى غبار الألعاب الأوليمبية أصبح على المجتمع الدولي أن يضع إستراتيجية فعالة لنقل النقاش بشأن حقوق الإنسان مع الصين إلى مستوى أكثر إثماراً وتقدماً. وعلى الحكومة الصينية، من جانبها، أن تدرك أن الزعامة العالمية تأتى بمسؤوليات وتوقعات، وأنه إذا أرادت أية قوة عالمية أن تكتسب المصداقية، فليس بوسعها أن تتجاهل القيم والمبادئ التي تشكل الهوية الجماعية للمجتمع الدولى.
ولابد من التساؤل عن النتائج التي حققتها روسيا في حلبة زعامة حقوق الإنسان. فروسيا الواثقة من نفسها، ذات الخزائن العامرة بعائدات النفط، قامت ولا تزال تقوم بقمع المعارضة السياسية، والضغط على الصحفيين المستقلين، ووضع ضوابط تشريعية حتى يسلس لها زمام المنظمات غير الحكومية. وقد أقدمت في عام 2007 على تفريق مظاهرات سلمية بالقوة، وتوجيه تهديدات إلى المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين، والاعتداء عليهم. ولا يزال النظام القضائي خاضعاً لضغوط السلطة التنفيذية. كما أدى انتشار الفساد إلى تقويض سيادة القانون وزعزعة الثقة في النظام القانونى. كما انتشر الإفلات من العقاب في الشيشان، حتى اضطُر بعض الضحايا إلى طلب العدالة من "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" في ستراسبورغ.
فهل سينتهج الرئيس الروسي الجديد ديمتري ميدييف نهجاً جديداً بشأن لحقوق الإنسان في عام 2008؟ حبذا لو تطلع إلى العالم من حوله وتعلم الدرس الذي يقول إنه لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والرخاء الاقتصادي لأمد بعيد إلا في مجتمعات منفتحة ودول تقبل المساءلة.
وإذا كان الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي لم يفعلوا شيئاً يُذكر لتعزيز حقوق الإنسان بل فعلوا الكثير لإهدارها، فأية زعامة يمكن توقعها من الدول الناشئة مثل الهند أو جنوب إفريقيا أو البرازيل؟
إن الهند تتمتع بديموقراطية ليبرالية راسخة الأركان وتقاليد قانونية متينة في مجال حقوق الإنسان، ولديها قضاء مستقل، ومن ثم فإن لديها المقومات لكي تصبح نموذجاً مقنعاً يُحتذى. ولقد اضطلعت الهند بدور إيجابي في "مجلس حقوق الإنسان" التابع للأمم المتحدة. ومن مآثرها المساعدة في التوفيق بين الأحزاب الرئيسية وبين المتمردين الماويين في نيبال، ووضع حد للصراع المسلح الذي طال أمده هناك، والذي أدى إلى ارتكاب انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان. ولكن عليها أن تبدى مزيداً من القوة في إرساء حقوق الإنسان على المستوى المحلى، ومزيداً من الصراحة في قيادتها الدولية في هذا المجال. فما برحت الهند تواصل مفاوضاتها حول استخراج النفط في ميانمار حتى أثناء قيام الحكم العسكري هناك بالانقضاض بعنف على المتظاهرين السلميين من الرهبان وغيرهم. وما زال أبناء المجتمعات الريفية المحلية في نانديغرام، في البنغال الغربية، يتعرضون للاعتداء والإصابة والقتل، بتواطؤ من الشرطة، أثناء احتجاج أفرادها على إنشاء منطقة اقتصادية خاصة للصناعة.
وكان الدور الذي نهضت به جنوب إفريقيا في مجموعة "الشراكة الجديدة من أجل تنمية إفريقيا" (النيباد)، التي تؤكد على عنصر الحكم الرشيد، باعثاً على الأمل في أن يتولى زعماء إفريقيا مسؤولية حل المشكلات الإفريقية، بما في ذلك مشكلة حقوق الإنسان ولكن حكومة جنوب إفريقيا أحجمت عن إعلان معارضتها لانتهاكات حقوق الإنسان في زمبابوي. وإذا كانت حقوق الإنسان حقوقاً عالمية تنطبق على الجميع، وهو ما تعرفه جنوب إفريقيا بأفضل مما تعرفه أية دولة أخرى، فإن المسؤولية المعنوية والأخلاقية التي تقع على عاتق جنوب إفريقيا في تعزيز هذه القيم العالمية، حيثما يجرى انتهاكها، تفوق بكثير مسؤوليات أغلب الدول الأخرى.
ويتسم موقف بعض البلدان، مثل البرازيل والمكسيك، بالصلابة في الدعوة إلى حقوق الإنسان على المستوى الدولي وفى تدعيم آليات حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، إلا إنه لابد من سد الفجوة القائمة بين سياساتها على المستوى الدولي وممارساتها على المستوى الوطني، حتى لا يطعن أحد في مصداقية مناصرتها لحقوق الإنسان.
وليست حقوق الإنسان قيماً غربية، بل إن الحكومات الغربية ليست أقل من غيرها استهانةً بها، فهي قيم عالمية، ولذلك فإن احتمال نجاحها مرتبط بقيادة الأمم المتحدة. وعلى الرغم من استمرار شلل مجلس الأمن الدولي في مجال حقوق الإنسان بسبب المصالح المتعارضة للأعضاء الدائمين فيه، فقد أثبتت الجمعية العامة للأمم المتحدة قدرتها على القيادة في عام 2007، باعتماد قرار يدعو إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام على مستوى العالم. وبهذا أثبتت، على وجه الدقة، قدرتها على التوجيه الذي يحتاجه العالم من الأمم المتحدة، بمعنى أن تستوحى الدول من بعضها البعض القدرة على الارتقاء بأدائها بدلاً من الهبوط بما يجمع بينها إلى أدنى القواسم المشتركة، مثلما كان شأن الأمم المتحدة في أفضل حالاتها. فهل يُظهر "مجلس حقوق الإنسان" بالأمم المتحدة قدرة مماثلة على القيادة في عام 2008 عندما يشرع في العمل بنظام المراجعة العالمية المتكافئة؟
وقد تجلى مؤخراً مثال مبهر على القيادة الجسورة، حين أقدمت 143 دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مواجهة المعارضة من جانب دول بالغة القوة، على التصويت لصالح "الإعلان الخاص بحقوق الشعوب الأصلية" في سبتمبر/أيلول 2007، فانتهت بذلك المناظرة التي استمرت طيلة عقدين. وبعد شهرين من تصويت أستراليا ضد ذلك الإعلان، قدمت الحكومة الجديدة المنتخبة برئاسة كيفن رود اعتذاراً رسمياً عن القوانين والسياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة والتي "تسببت في أعمق الأحزان والمكابدة والخسائر" لسكان أستراليا الأصليين.
إذا أرادت أية قوة عالمية أن تكتسب المصداقية، فليس بوسعها أن تتجاهل القيم والمبادئ التي تشكل الهوية الجماعية للمجتمع الدولي
في مثال صارخ على القيادة الجسورة، حين أقدمت 143 دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مواجهة المعارضة من جانب دول بالغة القوة، على التصويت لصالح "الإعلان الخاص بحقوق الشعوب الأصلية" في سبتمبر/أيلول 2007
تحقيق وحدة الهدف من جديد
يمر النظام الجغرافي السياسي الآن بتحولات داخلية، إذ تنكص بعض الدول العريقة على أعقابها إزاء حقوق الإنسان، وبعض القادة الجدد في سبيلهم إلى الظهور والبعض يتخذ موقفاً غامضاً من حقوق الإنسان. فأي مستقبل تُرى ينتظر حقوق الإنسان؟
إن طريق المستقبل وعر وشاق. فما زالت الصراعات ذات الجذور العميقة تكبد البشرية خسائر فادحة في الأرواح، سواء أكانت صراعات بارزة إلى حد بعيد كما في الشرق الأوسط والعراق وأفغانستان، أو صراعات منسية في مناطق أخرى مثل سري لنكا والصومال، وهما مجرد مثالين فحسب. ويتخبط قادة العالم فيما يبذلونه من جهود لشق طريق التقدم، مثلما هو الحال في العراق وأفغانستان، أو يفتقرون إلى الإرادة السياسية اللازمة لإيجاد الحلول، مثلما هو الحال في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، حيث الصراع الدائر أقدم حتى من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" ذاته، كما يتسم على وجه الخصوص بعجز القيادة الدولية الجماعية (التي تتخذ شكل اللجنة الرباعية المؤلفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة) عن التصدي للظلم والإفلات من العقاب.
وبينما تضطرب الأسواق المالية العالمية ويستخدم الأغنياء مواقعهم ونفوذهم غير المستحق من أجل الحد من خسائرهم، تتعرض مصالح الفقراء والمستضعفين لخطر النسيان ويزداد إلى حد بالغ عدد الشركات التي تتمتع بتأييد ضمني من الحكومات التي ترفض إجراء فحص أو وضع نظم فعالة لها، وهكذا تواصل هذه الشركات التهرب من المساءلة عن ضلوعها في مخالفات وانتهاكات لحقوق الإنسان
وما أكثر الألفاظ الرنانة عن استئصال شأفة الفقر، والتي يتشدق بها الكثيرون دون أن تتوافر الإرادة السياسية اللازمة للعمل على ذلك. فلا يزال ما لا يقل عن مليارين من أفراد مجتمعنا البشري يعيشون في فقر، ويكدون في سبيل الحصول على المياه النقية والغذاء والمسكن. وإذا كان تغير المناخ سوف يؤثر على البشر جميعاً، فإن الأشد فقراً سيصبحون بالتأكيد الأسوأ حالاً، إذ سيفقدون أراضيهم وأغذيتهم ومصادر رزقهم. وكان شهر يوليو/تموز 2007 يمثل منتصف الجدول الزمني الذي وضعته الأمم المتحدة لتحقيق "أهداف التنمية للألفية". ولا شك أن تحقيق هذه الأهداف، مهما ابتعدت عن الكمال، سوف يساهم إلى حد ما في تحسين الأوضاع الصحية والمعيشية والتعليمية للكثيرين في العالم النامي بحلول عام 2015، ولكن العالم لا يسير في الطريق الصحيح لتحقيق معظم هذه الأهداف، التي تمثل الحد الأدنى لما هو منشود. ومما يبعث على الأسف أن حقوق الإنسان لم تُؤخذ في الحسبان بالصورة الصحيحة في هذه الخطة. ومن الواضح أن ثمة حاجة لتعديل الجهود وإعادة النظر فيما ينبغي التركيز عليه.
وأين القيادة في مجال استئصال العنف ضد المرأة؟ فما زالت النساء والفتيات يعانين من العنف الجنسى الذي ارتفعت مستوياته في كل منطقة تقريباً على امتداد العالم كله. ففى دارفور، التي مزقتها الحرب، لا يزال الاغتصاب يُرتكب مع بقاء الجناة بمنأى عن العقاب. وفى الولايات المتحدة، تعجز الكثيرات من ضحايا الاغتصاب في مجتمعات السكان الأصليين الفقيرة المهمشة عن تحقيق العدالة أو الحصول على حماية السلطات الاتحادية والقبلية لهن. ومن ثم، فلابد للقادة من إبداء مزيد من الاهتمام بجعل حقوق الإنسان واقعاً ملموساً للنساء والفتيات.
وهذه كلها تحديات عالمية ذات بُعد إنساني، وهي تحتاج إلى استجابة عالمية. ولا شك أن حقوق الإنسان المعترف بها دولياً توفر أفضل إطار لهذه الاستجابة، لأن حقوق الإنسان تمثل اتفاق الآراء عالمياً حول الحدود المقبولة وأوجه القصور المرفوضة في السياسات والممارسات الحكومية.
ولا يزال "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" يمثل شرعةً صالحةً للقيادة المستنيرة اليوم مثلما كان في عام 1948، وعلى الحكومات أن تلتزم من جديد بحقوق الإنسان
ولن يظل الناس صامتين، في قلق وغضب وإحساس بخيبة الأمل، إذا استمر اتساع الفجوة بين مطالبتهم بالمساواة والحرية وإنكار حكوماتهم لذلك المطلب. فالسخط الشعبي في بنغلاديش إزاء الارتفاع الكبير في أسعار الأرز، والاضطرابات التي شهدتها مصر بسبب أسعار الخبز، وأحداث العنف التي تلت الانتخابات في كينيا، والمظاهرات الجماهيرية في الصين بسبب عمليات إجلاء السكان والقضايا البيئية، ليست مجرد أمثلة على القلق الشعبي بسبب قضايا اقتصادية واجتماعية فحسب، بل هي دلائل على مرجل تغلي فيه احتجاجات القاعدة الشعبية العريضة على نكث حكوماتها لما وعدت به من تحقيق العدل والمساواة.
ويشهد العالم اليوم، وإلى حد كان من المستحيل تقريباً تصوره في عام 1948، حركة عالمية للمواطنين الذين يطلبون من قادتهم إعادة الالتزام بإعلاء شأن حقوق الإنسان وتعزيزها. وقد تمثل ذلك في خروج المحامين بحللهم السوداء في باكستان، والرهبان بأرديتهم البرتقالية في ميانمار, ومشاركة نحو 34.7 مليون فرد ملايين في وقفة، يوم 17 أكتوبر/تشرين الأول 2007، للمطالبة باتخاذ إجراء ما للقضاء على الفقر، إذ كانت هذه التحركات كلها بمثابة نماذج حية نابضة أعادت إلى الأذهان في العام المنصرم أن ثمة مواطنين، في شتى أنحاء العالم، عقدوا العزم على الدفاع عن حقوق الإنسان ومحاسبة قادتهم.
ويكفي إلقاء نظرة متأملة على هذا المشهد. ففي قرية في شمال بنغلاديش، كانت تجلس مجموعة من النساء على حُصُر من الخيزران في سقيفة قروية متربة، وهن يتلقين العلم في إطار برنامج لمحو الأمية القانونية، ومعظمهن لا يَكدْن يُجدْن القراءة والكتابة، ويستمعن بانتباه إلى معلمهن الذي يستعين باللوحات والأشكال التوضيحية، شارحاً القانون الذي يحظر زواج الأطفال، وينص على ضرورة إتاحة المعلومات للعروس وموافقتها على الزواج وكانت هذه المجموعة من النساء قد تسلمن لتوهن قروضاً من خلال مشروع القروض الصغرى الذي تتولاه "لجنة الرقي بالريف في بنغلاديش"، وهي منظمة غير حكومية ضخمة. وكانت إحداهن قد اشترت بقرة وتأمل أن تزيد من دخلها ببيع اللبن، وتعتزم امرأة أخرى شراء "ماكينة خياطة" وإنشاء ورشة صغيرة تعمل فيها بالحياكة. فما الذي تأمل أن تجنيه من ذلك البرنامج التعليمي؟ تقول المرأة "أريد أن أعرف المزيد عن حقوقى. ولا أريد لبناتي أن يعانين ما عانيته، وهكذا أحتاج إلى أن أتعلم كيف أحمى حقوقي وحقوقهن"، ويلمع في عينيها بريق الأمل والعزم الذي يبرق في عيون الملايين من أمثالها في شتى أرجاء العالم
إن قدرة الناس على إحياء الأمل وإحداث التغيير لا تزال حيةً نابضةً بعد مرور 60 عاماً على صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، والوعي بحقوق الإنسان يجتاح العالم بأسره.
ولا شك أن قادة العالم يخاطرون إذ تجاهلوا هذه الحقيقة.
لن يظل الناس صامتين، في قلق وغضب وإحساس بخيبة الأمل، إذا استمر اتساع الفجوة بين مطالبتهم بالمساواة والحرية وإنكار حكوماتهم لذلك المطلب




