أحداث مختارة تغطي الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مطلع مايو/أيار 2008
لم تشهد الأشهر الأولى من العام 2008 أية جهود جديدة من جانب الحكومات لتحمُّل مسؤوليتها عن دورها في عمليات الترحيل القسري. بيد أن بعض الانتكاسات المرحَّب بها قد وقعت لجهود بعض الدول من أجل تقويض الحظر العالمي المفروض على التعذيب عندما سعت إلى ترحيل أشخاص إلى دول يمكن أن يواجهوا فيها خطراً حقيقياً في أن يتعرضوا لانتهاكات لحقوقهم الإنسانية. وظلت حرية التعبير تتعرض للتهديد في شتى أرجاء الإقليم، بينما شهد العديد من الدول مزيداً من التضييق على المساحة المتاحة للمدافعين عن حقوق الإنسان للقيام بعملهم.
مكافحة الإرهاب بالعدالة
استمر غياب الإرادة السياسية بشأن قضية الترحيل السري على الرغم من ظهور شواهد قطعية بما لا يترك مجالاً للشك في 2007 على تواطؤ دول أوروبية في ذلك. وما زالت الثغرات القانونية التي يعلم بها الجميع الآن والتي مكنَّت أجهزة استخبارات وطنية أوروبية وأجنبية من ممارسة سلوكها غير القانوني وحمايتها من المحاسبة تواجه بالصمت وبالتجاهل من جانب معظم الدول.
وسلَّط اعتراف حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة في فبراير/شباط بأن رحلتين جويتين للترحيل السري قد حطتا في جزيرة دييغو غارثيا في 2002 - رغم التأكيدات السابقة التي أطلفتها سلطات المملكة المتحدة، بما في ذلك لمنظمة العفو الدولية، بأنه لم يحدث "في أي وقت من الأوقات" أن استخدمت أراضي الجزيرة لتسفير السجناء - سلَّط الضوء على ضرورة فتح تحقيقات وافية ومستقلة في مزاعم التورط في رحلات الترحيل السري هذه.
وفي لفتة أكثر إيجابية، أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في فبراير/شباط حكماً يُعتبر نقطة تحول تاريخية بشأن مسألة الترحيل السري عندما أعادت التأكيد على الحظر المطلق المفروض على التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة اللاإنسانية أو المهينة في قضية سعدي ضد إيطاليا. إذ كانت السلطات الإيطالية قد بذلت مساعٍ لترحيل نسيم سعدي إلى تونس على أساس أنه يشكل خطراً أمنياً. بيد أن المحكمة وجدت أن ثمة أسانيد جوهرية للاعتقاد بوجود خطر حقيقي في أن يُخضع للتعذيب أو غيره من صنوف سوء المعاملة إذا ما جرت إعادته - وذلك استناداً إلى تقارير أصدرتها منظمة العفو الدولية و"مراقبة حقوق الإنسان".
وبينما اعترفت المحكمة بالصعوبة البالغة التي تواجهها الدول في حماية مجتمعاتها من عنف الإرهابيين، أكدت أنه لا يجوز لخطر الإرهاب أن يكون سبباً لإثارة الشكوك حول الطبيعة المطلقة للحظر المفروض على التعذيب.
وفي مثال آخر في أبريل/نيسان، قضت محكمة الاستئناف لإنجلترا وويلز بأنه من غير الممكن قانونياً للمملكة المتحدة أن تمضي قُدماً في اعتزامها إبعاد ثلاثة أفراد - أحدهم إلى الأردن والآخريْن إلى ليبيا - استناداً إلى سياستها القائمة على "الترحيل استناداً إلى التأكيدات".
فبشأن قضية الأول، اعترفت محكمة الاستئناف بأن أبو قتادة سوف يواجه محاكمة يرجَّح تماماً أن يُسمح فيها بالاستناد إلى أدلة انتُزعت تحت التعذيب - ما يشكل انتهاكاً فاضحاً للحق في محاكمة عادلة. أما فيما يتعلق بقضية الشخصين الآخرين، فأعادت محكمة الاستئناف التأكيد على رأيها السابق بأن "مذكرة التفاهم" مع ليبيا ليست كافية لحماية هذين الشخصين من خطر حقيقي بأن يتعرضا للتعذيب أو لغيره من صنوف سوء المعاملة إذا أُعيدا.
بيد أن بواعث القلق المتعلقة بالتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة في أوروبا لم تنحصر استثناء في مسألة الإرهاب الدولي. ففي 6 مارس/آذار، على سبيل المثال، دعت اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب السلطات التركية إلى إجراء مراجعة كاملة لوضع عبد الله أوجلان "بغرض إدماجه في محيط يمكن له فيه الاتصال مع النـزلاء الآخرين والقيام بطيف أوسع من الأنشطة". ويقضي عبد الله أوجلان حكماً بالسجن المؤبد إثر إدانته في 1999 بتهمتي "الخيانة والانفصالية" بصفته قائداً لحزب العمال الكردستاني (بي كيه كيه). وأورد تقرير اللجنة الأوروبية لمنع التعذيب أسانيد موثقة بأن "هناك تدهوراً ظاهراً في صحته العقلية ... يتصل بحالة التوتر المزمن والعزل الاجتماعي والعاطفي المطوَّل الذي وضع فيه، يصاحبه شعور بالتوحد والنكوص".
الاتجار بالأشخاص
شهدت حقوق الأشخاص الذين وقعوا في فخ الشكل المعاصر من العبودية، أو يتعرضون لخطر الوقوع فيه، دفعة رئيسية إلى الأمام مع دخول اتفاقية مجلس أوروبا للعمل ضد الاتجار بالبشر حير النفاذ في 1 فبراير/شباط 2008. وقد انضمت إلى الاتفاقية كدول أطراف حتى الآن 17 دولة أوروبية.
الهجرة
لا تزال القيود المفروضة على حقوق المهاجرين، وتوسعة نطاق الاعتقال، وتقييد حقوق طالبي اللجوء تحتل موقعاً متقدماً على الأجندة السياسية للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه.
وتوصلت الرئاسة السلوفينية للاتحاد الأوروبي في أبريل/نيسان إلى اتفاق أولي على إصدار توجيه بشأن المعايير والإجراءات العامة لإعادة المهاجرين غير الشرعيين أو ملتمسي اللجوء التي رفضت طالباتهم، وينص الاتفاق على فترة احتجاز قصوى من ستة أشهر إضافة إلى الاحتجاز لفترة 12 شهراً إضافية بالنسبة لبعض الحالات التي لم تؤدي المجهودات المعقولة بشأنها إلى نتيجة. وتدرس الحكومة الإيطالية زيادة مدة الاحتجاز إلى 18 شهراً للمهاجرين غير الشرعيين وتبني إجراءات سريعة للطرد من البلاد.
المستهدفون بإطلاق النار
أقدمت الجماعة الباسكية المسلحة "إيوسكادا تا أسكاتاسونا" (إيتا)، في عمل إرهابي ارتكبته في أسبانيا في 7 مارس/ آذار وأدانته منظمة العفو الدولية بشدة، على قتل المستشار القانوني الاشتراكي السابق إساياس كاراسكو. وأعدت المجموعة كذلك خططاً لحملة تهديدات موجهة إلى ممثلي الأحزاب السياسية والصحافة، وفي أبريل/نيسان، ادعت مسؤوليتها عن أربع هجمات أخرى تضمنت أعمال تفجير.
عقوبة الإعدام
استمر الاتجاه في الإقليم نحو الإلغاء بخطوات متباعدة، حيث ألغت أوزبكستان عقوبة الإعدام اعتباراً من 1 يناير/ كانون الثاني 2008. إلا أنها لم تُصدر حتى الآن بيانات إحصائية شاملة في هذا الصدد، بما في ذلك بشأن عدد الرجال الذين جرى تخفيف الأحكام الصادرة بحقهم بعد الإلغاء. وواصلت بيلاروس دور الجلاد الأخير في الإقليم بثبات - مع ورود أنباء عن تنفيذ ثلاثة أحكام بالإعدام في فبراير/شباط.
حرية التعبير
ظلت حرية التعبير تتعرض للتهديد في مختلف أرجاء الإقليم. وأثيرت بواعث قلق من إمكان أن تكون السلطات الأرمنية قد استخدمت القوة المفرطة في 1 مارس/آذار لتفريق متظاهرين كانوا يحتجون على نتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع بشأنها في الشهر الذي سبق. حيث لقي ثمانية أشخاص، بينهم رجل شرطة واحد، مصرعهم، بينما جرى اعتقال ما يربو على 100 من ناشطي المعارضة. وروى شهود عيان في بيلاروس بأن الشرطة قامت بضرب وركل المتظاهرين الذين تجمهروا في مينسك في 25 مارس/آذار 2008 للاحتفال بالذكرى التسعين لاستقلال البلاد الذي لم يطل أمده. حيث جرى اعتقال زهاء 100 من الناشطين. ولم تلغِ الحكومة التركية بعد التشريع المستخدم في مقاضاة ناشطي حقوق الإنسان والصحفيين. وفي أذربيجان، تواصلت مقاضاة صحف المعارضة بلا انقطاع، مع انتشار نمط من الاعتداء والمضايقة والتدابير القانونية المثيرة للشكوك. ففي 7 مارس/آذار، مثلاً، حُكم على قنيميت زاهد، رئيس تحرير صحيفة أزادليق، بالسجن أربع سنوات بتهمتي "الشغب الخطير" و"الاعتداء والضرب المبرح". وتعتقد منظمة العفو الدولية أن هذا الأمر نجم عن محاولة منسّقة من جانب السلطات الأذربيجانية لإسكات انتقادات المعارضة. وفي روسيا، لم يحدث أي انفراج في القيود المفروضة على المساحة الممنوحة لناشطي حقوق الإنسان والمنظمات ووسائل الإعلام المستقلة من أجل العمل والتعبير عن آرائها النقدية.
المدافعون عن حقوق الإنسان
استمر تعرض مدافعين آخرين عن حقوق الإنسان في الإقليم للتهديد أيضاً. ففي صربيا، استُهدف هؤلاء إلى جانب بعض الأقليات في أعقاب إعلان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد في 17 فبراير/شباط 2008. وخلال مظاهرات الاحتجاج التي خرجت في جميع المدن الرئيسية الصربية في 19 فبراير/شباط، وشارك فيها مئات الأشخاص، دعا المتظاهرون، حسبما ورد، إلى قتل ذوي الأصول الألبانية. وأعرب أحد أعضاء البرلمان الصربي كذلك عن دعمه لفرض حظر على جميع الأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية التي اعترفت باستقلال كوسوفو. واختص بالذكر على وجه التحديد ناتاسيا كانديتش، الناشطة في مضمار حقوق الإنسان ومديرة "مركز القانون الإنساني" في بلغراد. وقد دأبت ناتاسيا كانديتش ومركز القانون الإنساني على الاعتراض ضد استمرار إفلات مرتكبي جرائم الحرب في دول البلقان من العقاب، وعلى مساعدة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان من جميع الأطراف في مساعيهم لتحقيق العدالة.
الإفلات من العقاب
لم يقتصر الأمر على النـزاعات التي ورد ذكرها بالنسبة لبواعث القلق بشأن الإفلات من العقاب. فقد ردَّت المحكمة العليا الأسبانية، في حكم أصدرته ويبعث على القلق البالغ، طلب استئناف مقدَّم ضد عفو جزئي مُنح لأربعة من رجال الشرطة أدينوا باعتقال رجل من أصل سنغالي بصورة غير قانونية وبمعاملته معاملة سيئة في مارس/آذار 1997. وكان رجال الشرطة هؤلاء قد أعيدوا إلى وظائفهم، ولم يقضوا أي فترة من مدة الحكم بالسجن الصادر بحقهم. بيد أن إعلان "الحرس المدني الأسباني" والشرطة الوطنية في فبراير/شباط بأنهما سوف يضعان آلات تصوير فيديو للمراقبة في مناطق الاعتقال التي يحتجز فيها المعتقلون بمعزل عن العالم الخارجي، طبقاً لتوصيات مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالتعذيب واللجنة الأوروبية لمنع التعذيب، أمر يبعث على الارتياح.




