تعززت سمعة تونس الدولية نتيجةً لأدائها الاقتصادي الجيد والإصلاحات القانونية الإيجابية التي نفذتها. إلا إن ذلك غطى على واقع أشد مرارة، كثيراً ما انتُهكت فيه الضمانات القانونية، وتعرض فيه المشتبه فيهم سياسياً للتعذيب مع بقاء مرتكبي التعذيب بمنأى عن العقاب، وواجه فيه المدافعون عن حقوق الإنسان مضايقات شتى. واستمرت القيود الشديدة على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات. وصدرت أحكام بالسجن لمدد طويلة على كثيرين بتهم تتعلق بالإرهاب، إثر محاكمات جائرة، من بينها محاكمات أمام محاكم عسكرية. كما ظل في السجون مئات آخرون ممن صدرت ضدهم أحكام بعد محاكمات جائرة في غضون السنوات السابقة، وبعضهم مسجون منذ أكثر من 10 سنوات، ويُحتمل أن يكون بعضهم سجناء رأي.
التطورات القانونية والمؤسسية
صدر في يوليو/تموز مرسوم بتعديل تشكيل "اللجنة العليا لحقوق الإنسان والحريات الأساسية"، وهي الهيئة المكلفة بتلقي الشكاوى الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان. وأدت التعديلات إلى زيادة التمثيل في اللجنة، ولكنها لم تشمل المنظمات المستقلة لحقوق الإنسان.
"الحرب على الإرهاب"
أُعيد إلى تونس، في يونيو/حزيران، اثنان من بين 12 مواطناً تونسياً تحتجزهم السلطات الأمريكية في معتقل خليج غوانتنامو بكوبا، وهما: عبد الله الحاجي ولطفي الأغا. وقد قُبض عليهما لدى وصولهما، واحتُجزا في إدارة أمن الدولة التابعة لوزارة الداخلية، وتعرضا لمعاملة سيئة وأُرغما على التوقيع على إفادات، حسبما زُعم. فقد اشتكى عبد الله الحاجي من أنه حُرم من النوم، وتعرض للصفع على وجهه، وهُدد بأن زوجته وبناته سوف يتعرضن للاغتصاب. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أُدين لطفي الأغا بتهمة الاتصال بمنظمة إرهابية تعمل في الخارج، وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. وأُعيدت محاكمة عبد الله الحاجي أمام محكمة عسكرية في العاصمة تونس، بعدما طعن في حكم صدر ضده بالسجن 10 سنوات لدى محاكمته غيابياً في عام 1995. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أُدين عبد الله الحاجي بتهمة "وضع النفس زمن السلم تحت تصرف منظمة إرهابية تعمل بالخارج"، وحُكم عليه بالسجن سبع سنوات.
وفي يناير/كانون الثاني ومارس/آذار، أعادت السلطات المصرية تسعة مواطنين تونسيين إلى تونس، حيث احتُجزوا عدة أسابيع لاستجوابهم، حسبما ورد. وأُطلق سراح معظمهم، بينما ظل اثنان على الأقل رهن الاحتجاز في انتظار المحاكمة، وهما أيمن الحكيري وآدم بوقديدة. وكان التسعة قد اعتُقلوا في مصر مع أجانب آخرين وطلاب مصريين، في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، وورد أنهم تعرضوا للتعذيب أثناء استجوابهم بخصوص ما زُعم أنه مخطط لتجنيد أشخاص في مصر للقتال ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في العراق.
النظام القضائي
اتسمت محاكمات الأشخاص المتهمين بتهم تتعلق بالإرهاب، والتي أُجري بعضها أمام محاكم عسكرية، بالجور في كثير من الأحيان، وأسفرت عموماً عن إصدار أحكام بالسجن لمدد طويلة على المتهمين. وكان من بين المتهمين أشخاص قُبض عليهم في تونس، بالإضافة إلى تونسيين أعادتهم قسراً سلطات دول أخرى، من بينها فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، بالرغم من المخاوف من احتمال تعرضهم للتعذيب. وكثيراً ما استندت أحكام الإدانة بشكل كامل إلى "اعترافات" أدلى بها المتهمون في فترة الاحتجاز السابق للمحاكمة ثم تراجعوا عنها في المحكمة وادعوا أنها انتُزعت تحت وطأة التعذيب. وعادةً ما كان قضاة التحقيق والمحاكم يتقاعسون عن التحقيق في تلك الادعاءات.
وأفادت الأنباء أن ما لا يقل عن 16 مدنياً قد أُدينوا وحُكم عليهم بالسجن لمدد وصلت إلى 11 سنة بعد محاكمة أمام محكمة عسكرية في العاصمة تونس. وأُدين معظم هؤلاء بأن لهم صلات مع منظمات إرهابية تعمل خارج البلاد. ولم تف مثل هذه المحاكمات بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة، إذ فُرضت قيود على حق المتهمين في الاستئناف.
- ففي نوفمبر/تشرين الثاني، مثل 30 شخصاً للمحاكمة أمام محكمة الدرجة الأولى في العاصمة تونس، فيما عُرف باسم "قضية سليمان". ووُجهت إلى هؤلاء الأشخاص تهم عدة، من بينها التآمر للإطاحة بالحكم واستخدام أسلحة نارية والانتماء إلى منظمة إرهابية. وكانوا قد اعتُقلوا جميعاً في ديسمبر/كانون الأول 2006 ويناير/كانون الثاني 2007 فيما يتصل باشتباك مسلح بين قوات الأمن وأشخاص زُعم أنهم من أعضاء منظمة مسلحة تُدعى "جُند أسد بن الفرات"، واحتُجزوا لفترة أطول كثيراً من الحد الأقصى المسموح به قانوناً لفترة الاحتفاظ (أي الاحتجاز السابق للمحاكمة في حجز الشرطة)، وهو ستة أيام، وادعوا أنهم تعرضوا للتعذيب أو غيره من صنوف المعاملة السيئة. وطلب محاموهم من قضاة التحقيق ومن هيئة المحكمة التي تولت المحاكمة إخضاع المتهمين للفحص الطبي للتثبت من أدلة التعذيب، ولكن طلباتهم رُفضت. وفي 30 ديسمبر/كانون الأول، قضت المحكمة بمعاقبة اثنين من المتهمين بالإعدام، وثمانية بالسجن مدى الحياة. وحُكم على باقي المتهمين بالسجن لمدد تتراوح بين خمس سنوات و30 سنة.
الإفراج عن سجناء سياسيين
أُطلق سراح حوالي 179 سجيناً سياسياً، من بينهم 15 ورد أنهم كانوا محتجزين رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة للاشتباه في أنهم أعضاء في "الجماعة السلفية"، وهي جماعة مسلحة زُعم أنها على صلة بتنظيم "القاعدة". أما الآخرون فكان معظمهم مسجونين منذ مطلع التسعينيات من القرن العشرين لانتمائهم إلى "حركة النهضة"، وهي حركة إسلامية حظرتها السلطات.
التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة
استمر التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة على أيدي قوات الأمن، ولاسيما إدارة أمن الدولة. وكان المعتقلون الذين احتُجزوا بمعزل عن العالم الخارجي عرضةً للخطر على وجه الخصوص. وكثيراً ما خالفت قوات الأمن الحد الأقصى المسموح به قانوناً لفترة الاحتفاظ، وهو ستة أيام، واحتجزت المعتقلين بمعزل عن العالم الخارجي لعدة أسابيع. وادعى كثيرون أنهم تعرضوا خلال هذه الفترة للتعذيب، بما في ذلك الضرب، والتعليق في أوضاع مؤلمة، والصعق بالصدمات الكهربائية، والحرمان من النوم، والاغتصاب، والتهديد باغتصاب إناث من أهالي المعتقلين. وفي جميع الحالات تقريباً، أحجمت السلطات عن إجراء تحقيقات في تلك الادعاءات أو تقديم مرتكبي الانتهاكات إلى ساحة العدالة.
- فقد قُبض على محمد أمين الجزيري، وهو أحد المتهمين في "قضية سليمان" (انظر ما سبق) في 24 ديسمبر/كانون الأول 2006، في بلدة سيدي بوزيد جنوب العاصمة تونس، واحتُجز سراً في بادئ الأمر في مخفر شرطة المدينة، ثم في إدارة أمن الدولة في العاصمة تونس حتى 22 يناير/كانون الثاني 2007. وقد استفسر أهله مراراً عن مصيره، ولكن السلطات ظلت تنكر أنه محتجز لديها إلى أن أُفرج عنه. وقد ادعى أنه تعرض خلال احتجازه بمعزل عن العالم الخارجي للضرب على جميع أجزاء الجسم، وللصعق بالصدمات الكهربائية، وللتعليق في السقف لساعات طويلة، ولصب ماء بارد عليه، وللحرمان من النوم، فضلاً عن وضع عصابة قذرة على رأسه خلال التحقيق. وفي ديسمبر/كانون الأول، حُكم عليه بالسجن 30 سنة.
الظروف في السجون
عانى كثير من السجناء السياسيين من التمييز والمعاملة القاسية، حسبما ورد. وأضرب بعضهم عن الطعام احتجاجاً على سوء المعاملة من جانب حراس السجن، والحرمان من الرعاية الطبية، وإيقاف زيارات الأهل، والظروف القاسية، بما في ذلك الحبس في زنازين انفرادية لفترات طويلة.
- ففي أكتوبر/تشرين الأول، تعرض كل من أسامة العبادي؛ ورمزي العيفي؛ ووليد العيوني؛ والمهدي بن الحاج علي، للكم والتكبيل والركل على أيدي الحراس في سجن المرناقية، حسبما زُعم. وأُصيب أسامة العبادي بإصابة خطيرة في عينه وبفتح غائر في الساق، وعندما قابله محاميه كان مُقعداً على كرسي متحرك ولا يقوى على الوقوف. وأفادت الأنباء أن حراس السجن جردوا سجناء آخرين من ملابسهم وجرُّوهم بطول الممر أمام الزنازين. ولم يتم إجراء تحقيق في هذه الوقائع، على حد علم منظمة العفو الدولية، بالرغم من الشكاوى التي قدمها محامو السجناء.
حرية التعبير
فرضت السلطات قيوداً مشددة على حرية التعبير. وظل مئات السجناء السياسيين يقضون أحكاماً بالسجن فُرضت عليهم بسبب ما زُعم عن مشاركتهم في معارضة الحكومة بصورة سلمية.
حرية الصحافة
واصل الصحفيون ورؤساء تحرير الصحف أنشطتهم المهنية في مناخ من الترهيب والخوف. وخضعت المطبوعات الأجنبية للرقابة، وتعرض صحفيون ممن ينتقدون الحكومة لحملات تستهدف تشويه السمعة أو لمحاكمات جنائية بتهمة القذف. ومُنع صحفيون، وكان ذلك بالقوة أحياناً، من حضور أو تغطية أنشطة قامت بها منظمات مستقلة لحقوق الإنسان أو وُجهت خلالها انتقادات للحكومة.
- ففي ديسمبر/كانون الأول، أصدرت محكمة الناحية في ساقية الزيت، في صفاقس، حكماً بالسجن لمدة سنة على سليم بوخذير، وهو صحفي حر، وذلك إثر محاكمة جائرة. وقد وُجهت إليه تهم "التعدي على موظف عام أثناء أداء عمله"، و"مخالفة الأخلاق العامة"، و"عدم إظهار بطاقة الهوية". وكان قد قُبض عليه ، في 26 نوفمبر/تشرين الثاني، أثناء سفره من صفاقس إلى العاصمة تونس بعد استدعائه لاستلام جواز السفر الخاص به. وفي وقت سابق من العام، كان سليم بوخذير قد أبلغ عن تلقيه تهديدات بالقتل في أعقاب مقابلة مع قناة "الحوار" التليفزيونية، ومقرها في لندن، انتقد خلالها أشخاصاً من عائلة الرئيس بن علي. وفي الأسبوع السابق على هذه التهديدات كان قد تعرض لاعتداء على أيدي ضباط شرطة في ملابس مدنية.
وواصلت السلطات حجب عدد من مواقع الإنترنت التي تتضمن انتقادات سياسية أو غيرها للحكومة، واستندت السلطات في هذا الإجراء إلى اعتبارات "أمنية" أو ما تحويه المواقع من مواد "ضارة". وكانت مواقع المنظمات المحلية والدولية الشهيرة المعنية بحقوق الإنسان من بين المواقع التي حُجبت.
الحرية الدينية
فُرضت قيود على التعبير عن المعتقدات الدينية. فقد تعرضت بعض السيدات والفتيات للمضايقة بسبب ارتداء الحجاب. وأُجبر بعضهن على خلع الحجاب للسماح لهن بدخول المدارس أو الجامعات أو مواقع العمل، بينما أُجبرت أخريات على خلع الحجاب في الشارع. وفي مارس/آذار، مُنعت النساء والفتيات اللاتي يرتدين الحجاب من دخول معرض تونس الدولي للكتاب. وذكر عدد من السيدات أنهن أُخذن إلى مخافر الشرطة وأُجبرن على التوقيع على تعهد مكتوب بالكف عن ارتداء الحجاب، واعتدى ضباط الشرطة على بعض من رفضن التوقيع.
المدافعون عن حقوق الإنسان
أعاقت السلطات بشدة أنشطة المنظمات المعنية بحقوق الإنسان. وكثيراً ما عُطلت أو حُولت الخطوط الهاتفية واتصالات الإنترنت لإعاقة الاتصال بآخرين في تونس وفي الخارج. وتعرض بعض المدافعين عن حقوق الإنسان للمضايقة والترهيب. وأخضعت قوات الأمن المدافعين عن حقوق الإنسان وعائلاتهم لمراقبة لصيقة بشكل دائم، واعتدت عليهم جسدياً في بعض الحالات.
- ففي إبريل/نيسان، تعرض رؤوف العيادي، وهو محام ومن المدافعين عن حقوق الإنسان، لاعتداء على أيدي ضابط شرطة بينما كان يتأهب لدخول قاعة المحكمة للدفاع عن متهم يواجه تهماً تتعلق بالإرهاب. وفي يونيو/حزيران، خُربت سيارة رؤوف العيادي عمداً. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، تعدى عليه بعض ضباط الشرطة بالسب وألقوه على الأرض وجروه لمنعه من زيارة صحفي وأحد نشطاء حقوق الإنسان، حيث كانا قد أضربا عن الطعام احتجاجاً على رفض السلطات منحهما جوازي سفر. ولم تتخذ السلطات أي إجراء ضد المسؤولين عن الاعتداءات على رؤوف العيادي.
- وفي يوليو/تموز، أُفرج عن محمد عبو، وهو محام ومن المدافعين عن حقوق الإنسان، بعد أن قضى 28 شهراً من حكم السجن لمدة ثلاث سنوات ونصف السنة، والذي صدر ضده إثر محاكمة جائرة في إبريل/نيسان 2005. وبعد الإفراج عنه إفراجاً مشروطاً، مُنع من السفر للخارج ثلاث مرات على الأقل.
عقوبة الإعدام
صدرت أحكام بالإعدام على ثلاثة أشخاص، وبذلك بلغ عدد السجناء المحكوم عليهم بالإعدام أكثر من 100، حسبما ورد، ولكن لم تُنفذ أية إعدامات.
وفي مارس/آذار، صرح وزير العدل وحقوق الإنسان بأن الحكومة لا تحبذ إلغاء عقوبة الإعدام. وفي يونيو/حزيران، شُكل ائتلاف محلي لمناهضة عقوبة الإعدام من بعض المنظمات التونسية المعنية بحقوق الإنسان، ومن بينها الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني، لم يصوت مندوب الحكومة التونسية بالاعتراض على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف تنفيذ أحكام الإعدام على مستوى العالم.
الزيارات/التقارير القطرية لمنظمة العفو الدولية
- زار مندوبون من منظمة العفو الدولية تونس، في يونيو/حزيران-يوليو/تموز، ونوفمبر/تشرين الثاني-ديسمبر/كانون الأول، والتقوا مع عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان، وبعض الضحايا وذويهم، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين وممثلي حكومات دول في الاتحاد الأوروبي.
- تونس: تقرير موجز بشأن حقوق الإنسان في الذكرى العشرين لحكم الرئيس بن علي (رقم الوثيقة: MDE 30/010/2007)




