بعد 60 عاما من صدور "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"
في عام 1948، كانت قارة أوروبا قد دمرتها الحرب العالمية الثانية، لكن سرعان ما زاد انقسامها بسبب الحرب الباردة. وعلى امتداد السنوات الستين التالية، كان لهذه الخبرات تأثير عميق في الاستجابة الجماعية والاستجابة الفردية لضرورة إيجاد أرض مشتركة، ما دامت المنطقة تسعى لتحقيق الرخاء وضمان الأمن وإدراج سيادة القانون في صلب حياتها.
والواقع أنه لم يكد يمر عقد واحد حتى كانت أوروبا الغربية قد أرست الأساس لما أصبح فيما بعد البناء المؤسسي الإقليمي الشامل لأوروبا كلها، والذي يهدف إلى إنشاء نظام لحقوق الإنسان لا ينافسه نظام آخر في العالم كله، وإلى تحويل ما بدأ في صورة مجتمع محلي للفحم والفولاذ إلى اتحاد يتمتع بسلطة اقتصادية وسياسية عالمية.
وفي ذلك الوقت، وضع "مجلس أوروبا" أول وثيقة قانونية دولية لحماية حقوق الإنسان، وأنشأ "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" لتنفيذ هذه الوثيقة، وشكَّل مجلساً برلمانياً. وقد أصبح "مجلس أوروبا يضم الآن 47 دولة من الدول الأعضاء، وأجرى توسيعاً في نظامه بتعيين "مفوض لحقوق الإنسان"، وهيئات شتى للمراقبة. ولا تزال الرؤية الخاصة بحقوق الإنسان والديموقراطية التعددية وسيادة القانون قائمة.
وتطورت الجماعات الاقتصادية التي أُنشئت في الخمسينيات فأصبحت الاتحاد الأوروبي اليوم. ووسَّع الاتحاد الأوروبي نطاقه، فقبل في عضويته دولاً جديدة من الكتلة الشيوعية السابقة، كما وسَّع رؤيته بحيث أصبح "اتحاداً للقيم"، يطمح إلى وضع حقوق الإنسان في بؤرة سياساته الداخلية والخارجية.
وكان التركيب السياسي لأوروبا بعد الحرب يكمن أيضاً خلف تشكيل "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا"، وهي أكبر منظمة أمن إقليمية في العالم، إذ تشارك فيها 56 دولة، بعضها من دول وسط آسيا. وهي تُرجع أصولها إلى مرحلة الانفراج الدولي في أوائل السبعينات من القرن العشرين، إذ كانت آنذاك منتدى متعدد الأطراف للحوار والمفاوضات بين الشرق والغرب، وكان من النتائج الأساسية لهذه المنظمة ما يُسمى "عملية هلسنكي"، التي أوحت بدورها بإنشاء منظمات غير حكومية منوعة للرقابة على الالتزامات الأساسية بحقوق الإنسان، التي تعهدت بها الدول لمواطنيها.
ولكن الطريق إلى هذه المرحلة لم يكن مُعَبَّداً. فلقد شهدت الأعوام الستون المنصرمة قيام أنظمة استبدادية عسكرية في إسبانيا والبرتغال وتركيا واليونان، ودولا قمعية في الكتلة السوفيتية، كما كانت بعض الجماعات المسلحة تسعى إلى نصرة قضية بعض الأقليات أو الأيديولوجيات بالقوة، واندلعت نزاعات ضارية ارْتَجَّتْ معها مناطق في الاتحاد السوفيتي السابق ويوغوسلافيا أثناء تمزقهما، فظهرت دول جديدة، كما ظهرت كيانات جديدة لم يُحسم وضعُها بعد ولم يعترف بها المجتمع الدولي حتى الآن.
إلا إن بعض التحديات الكبرى لا تزال قائمة. فإذا كانت معظم أجزاء المنطقة تنعم بالاستقرار فما زال أولئك الذين ارتكبوا جرائمهم في النزاعات الأخيرة بمنجاة من العقاب، وما زال هناك مئات الآلاف من النازحين بلا أمل يُذكر في العودة الوشيكة لديارهم. ولقد ازداد رخاء جانب كبير من المنطقة، لكن الرخاء لم يصل إلى المحرومين من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، إما بسبب العنصرية أو غيرها من أشكال التمييز.
وإذا كانت أوروبا لا تزال مكاناً يجتذب من يسعون للفرار من وجه الاضطهاد أو العنف أو الفقر، فإنها لا تزال تخذلهم بإتباع أساليب قمعية مع الهجرة غير النظامية. وإذا كان الأمن يمثل القضية العليا في شتى أرجاء المنطقة، فإنه دائماً ما يُهدر على أيدي أولئك الذين يضعونه في مرتبة متميزة فوق حقوق الإنسان بدعوى مكافحة الإرهاب، أو ينحرفون به بصورة صارخة حين يتذرعون به لقمع المعارضة أو مقاومة أحد التحديات للوضع الراهن
ولا تزال منطقة أوروبا أرضاً غير مأمونة لعدد لا يحصى من ضحايا العنف داخل بلدانهم.
ومن الصحيح أيضاً، وإن كان يدعو للأسف، أن هذه المنطقة، التي تعتبر نفسها منارةً لحقوق الإنسان، لا تزال تشهد فجوةً هائلةً بين الأقوال والواقع، بين المعايير والتطبيق، بين المبادئ والأفعال.
إذ إن الدول التي شاركت طوعاً في مختلف التزامات المؤسسات الإقليمية، قد عمدت طوعاً كذلك إلى التنصُّل من التزاماتها، فاعتدت على حقوق الإنسان وانتقصت منها، ولم تجد لديها الإرادة السياسية اللازمة للتصدي للانتهاكات الرئيسية.
لم يكد يمر عقد واحد حتى كانت أوروبا الغربية قد أرست الأساس لما أصبح فيما بعد البناء المؤسسي الإقليمي الشامل لأوروبا كلها، والذي يهدف إلى إنشاء نظام لحقوق الإنسان لا ينافسه نظام آخر في العالم كله.
من الصحيح أيضاً، وإن كان يدعو للأسف، أن هذه المنطقة، التي تعتبر نفسها منارةً لحقوق الإنسان، لا تزال تشهد فجوةً هائلةً بين الأقوال والواقع، بين المعايير والتطبيق، بين المبادئ والأفعال.
نظرة على أحداث العام 2007
الأمن وحقوق الإنسان
ومن أبرز الشواهد على ما سبق عمليات "النقل الاستثنائي". فقد ظهرت في عام 2007 أدلة تقطع نهائياً بصحة ما قيل عن تواطؤ دول أوروبية في البرنامج الذي تقوده الولايات المتحدة لاعتقال أفراد بصورة سرية ودون وجه حق. كما تثبت هذه الأدلة أن بعض الحكومات كانت متواطئة في نقل أشخاص إلى بلدان أجنبية خارج نطاق القانون، وفي حوادث إخفاء قسري، وفي التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة التي تعرض لها من كانوا يُنقلون ويُعتقلون سراً.
كما كشفت الأدلة عن الثغرات القانونية التي سهَّلت ما أقدمت عليه أجهزة استخبارات أجنبية وأوروبية من تصرفات غير مشروعة، ووفرت الحماية لهذه الأجهزة من المساءلة، ولكن رد الفعل المميز من جانب هذه الدول كان التزام الصمت والامتناع عن اتخاذ أي إجراء.
وفي مجالات أخرى كثيرة، يحظى الأمن بامتيازات تضعه في مرتبة فوق حقوق الإنسان الأساسية، وهو ما يضر بالأمن وهذه الحقوق معاً. فقد واصلت أوزبكستان وروسيا والصين وكازاخستان التعاون فيما بينها باسم الأمن الإقليمي و"الحرب على الإرهاب"، بأساليب تمثل انتهاكاً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وقانون اللاجئين، بما في ذلك إعادة بعض الأشخاص قسراً من حيث جاءوا على الرغم من تعريضهم بذلك لخطر التعذيب وغيره من الانتهاكات الشديدة.
فعلى سبيل المثال، واصلت حكومة المملكة المتحدة تقويض الحظر العالمي على التعذيب بترحيل من تعتبرهم مصدر تهديد للأمن القومي إلى دول يواجهون فيها خطراً حقيقياً يتمثل في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وذلك استناداً إلى "تأكيدات دبلوماسية" لا تملك ضمان تنفيذها.كما حاولت إقناع دول أوروبية أخرى، بــل و"المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان"، بأن مثل هذه التأكيدات مشروعة.
وفي تركيا وطاجيكستان، ثارت مخاوف بشأن عدم إجراء محاكمات عادلة في القضايا التي تُنظر بموجب قوانين مكافحة الإرهاب.
اللاجئون وطالبو اللجوء والمهاجرون
ظل الأجانب، ومن بينهم من ينشدون الحماية الدولية، يواجهون نمطاً متسقاً من انتهاكات حقوق الإنسان، فلم يكن يتيسر للرجال والنساء والأطفال الانتفاع بإجراءات البت في طلبات اللجوء، وكان البعض يُعتقل دون وجه حق، والبعض الآخر يُحرم مما يلزمهم من توجيه ومساعدة قانونية. وكان كثيرون منهم يُطردون قبل نظر قضاياهم، والبعض يُرسلون إلى بلدان يصبحون فيها عرضةً لمخاطر انتهاكات حقوق الإنسان. و في بعض المناطق، كان من رُفضت طلباتهم من أجل اللجوء يُرغمون على العيش في بؤس وفاقة.
وصدرت تشريعات جديدة في بعض البلدان، مثل بلجيكا وسويسرا وفرنسا، تزيد من تقليص حقوق المهاجرين وطالبي اللجوء.
العنصرية والتمييز
ما زال أفراد طائفة "الروما" (الغجر) يعانون من التمييز بسبب هويتهم في شتى أرجاء المنطقة، إذ استمر استبعادهم من الحياة العامة، وحُرموا من الانتفاع الكامل بحق المسكن والعمل والخدمات الصحية. ولم تكفل السلطات لأبناء هذه الطائفة أن يتلقوا التعليم دون تمييز، إذ قبلت، بل وعززت في كثير من الأحيان، إنشاء فصول دراسية خاصة أو مدارس خاصة لأبناء "الروما"، بما في ذلك تلك التي تُقدم فيها مناهج دراسية منقوصة. وكان أبناء "الروما" أيضاً بين من تعرضوا لجرائم الكراهية، مثلما تعرض لها يهود ومسلمون. وكانت الاعتداءات العنصرية المتسمة بالعنف تقع في روسيا بانتظام يثير القلق.
وواجه كثيرون التمييز بسبب أوضاعهم القانونية، ومن بينهم النازحون بسبب النزاع في يوغوسلافيا السابقة والاتحاد السوفيتي، وحُرم هؤلاء من التمتع ببعض الحقوق أو بكل الحقوق، وهو حرمان ارتبط بمسائل تسجيلهم وإقامتهم.
وواصلت السلطات في بولندا وروسيا وليتوانيا ومولدوفا إشاعة مناخ من التعصب ضد ذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر. فعلى سبيل المثال، استخدم بعض كبار السياسيين لغةً تعبر صراحةً عن كراهية ذوي الميول الجنسية المثلية، كما عرقلت السلطات عقد الاحتفالات العامة لهم. ومع ذلك، فقد سمحت السلطات في لاتفيا، على خلاف ما حدث في العامين السابقين، بتنظيم مسيرة لذوي الميول الجنسية المثلية والثنائية والمتحولين إلى الجنس الآخر، بل ووفرت الشرطة حمايةً لها من المتظاهرين المناهضين.
في يوليوتموز، أصدرت "المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" حكمها في قضية مقتل رجل من "الروما"، يُدعى أنجيل ديمتروف علييف، لدوافع عنصرية على أيدي ستة شبان في بلدة شومن في بلغاريا في عام 1996. وأشارت المحكمة إلى أن السلطات أقرت بالطبيعة البشعة لتلك الجريمة، ولكنها تقاعست عن إجراء تحقيق فعال على وجه السرعة في الحادث.
المساءلة والإفلات من العقاب
على الرغم من إحراز بعض التقدم في التصدي للإفلات من العقاب على الجرائم التي ارتُكبت على أراضى يوغوسلافيا السابقة في حقبة التسعينات، ظل كثيرون من مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بمنأى عن العدالة، وذلك بسبب عدم التعاون مع "المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة"، وكذلك لعدم كفاية الجهود التي تبذلها المحاكم المحلية.
واستمر اللجوء إلى التعذيب وغيره من صنوف المعاملة السيئة في شتى أرجاء المنطقة، وكثيراً ما كان ذلك وسيلةً لانتزاع الاعترافات، كما كان في كثير من الأحيان ضمن سياق ذي علاقة بالانتماء العنصري. وكان من بين العقبات التي تحول دون التصدي للإفلات من العقاب على أمثال هذه الانتهاكات تحايل الشرطة على الضمانات المكفولة، وعدم توفر سبل الاستعانة بالمحامين على وجه السرعة، وخوف الضحايا من الانتقام، وعدم وجود نظام مستقل تسانده الموارد اللازمة لدراسة الشكاوى، والفساد الذي يشين جهاز تنفيذ القانون والنظام القضائي. ففي بعض البلدان، مثل إسبانيا وأوزبكستان وأوكرانيا والبوسنة والهرسك وتركمانستان وتركيا وروسيا ومولدوفا، كان التقاعس عـن إجراء التحقيقات الفورية والدقيقة والنزيهة سبباً في استمرار مناخ الإفلات من العقاب.
في نوفمبر/تشرين الثاني، صدر حكم ببراءة 10 من ضباط الشرطة من تهمة تعذيب امرأتين في حجز الشرطة باسطنبول، في تركيا، في عام 2002. وأفادت الأنباء أن "ي" و"س" تعرضتا للتعذيب، بما في ذلك الضرب، والتجريد من الملابس، والرش بماء بارد من خرطوم عالي الضغط، كما تعرضتا لمحاولة اغتصاب. وجاء الحكم في أعقاب صدور تقرير طبي جديد، بناء على طلب المتهمين، لم يورد "أدلة مؤكدة على ارتكاب جريمة التعذيب".
عقوبة الإعدام
استمر التقدم بخطى واسعة في شتى أرجاء المنطقة نحو إلغاء عقوبة الإعدام. ففي مايو/أيار، خفَّضت كازاخستان عدد الجرائم التي يُعاقب عليها بالإعدام إلى جريمة واحدة متعلقة بالإرهاب، وواصلت وقف تنفيذ هذه العقوبة، وهو ما فعلته طاجيكستان أيضاً. وفي يونيو/حزيران، أقرَّت كل من قرغيزستان وأوزبكستان تعديلات قانونية تقضى بالاستعاضة عن عقوبة الإعدام بالسجن مدى الحياة أو السجن مدة طويلة، ومن المقرر أن تصبح هذه التعديلات سارية المفعول اعتباراً من بداية عام 2008.
وقد عارضت بيلاروس (روسيا البيضاء) هذا الاتجاه وظلت صامدة في موقفها باعتبارها آخر بلد في أوروبا ينفذ عقوبة الإعدام وظلت السرية المحيطة بعقوبة الإعدام من القضايا المهمة في ذلك البلد، شأنها شأن جميع البلدان الأخرى المماثلة، فلم يكن الأقارب يتسلمون جثمان الذي أعدم أو يُبَلَّغون بمكان الدفن، ولم تعلن أية إحصائيات عن تطبيق عقوبة الإعدام.
العنف ضد المرأة
ظل العنف ضد النساء والفتيات في محيط الأسرة سائداً في شتى أرجاء المنطقة، بالنسبة لجميع الأعمار والشرائح الاجتماعية.وكان يتجلى في شتى ألوان الإساءة اللفظية والإيذاء النفسي، والعنف البدني والجنسي، والسيطرة الاقتصادية والقتل العمد. وعادةً ما كان الإبلاغ عن صنوف الإيذاء هذه يقتصر على نسبة صغيرة من النساء، وكان من بين الأسباب التي تمنعهن خوفهن من انتقام شركاء حياتهم الذين ارتكبوا الإيذاء، أو الخوف من المقاضاة بتهمة ارتكاب جرائم أخرى، أو تأنيب الضمير، أو الخوف من التسبب في "العار" للأسرة، أو عدم الأمن من الناحية الاقتصادية، أو أوضاع الهجرة غير الآمنة، أو عدم توافر المأوى اللازم أو غير ذلك من التدابير الفعالة التي تكفل الحماية لهن ولأطفالهن، مثل أوامر التحفظ على مرتكبي الإيذاء. ولكن كان هناك قبل هذا كله ما يتمتع به مرتكبو الإيذاء من حصانة تجعلهم بمنأى عن العقاب.
وكثيراً ما كانت المرأة أيضاً تفتقر إلى الثقة في أن السلطات المعنية سوف تعتبر الإيذاء الذي لحق بها جريمة، لا مجرد شأن "خصوصي"، وأنها سوف تتصدى له تصدياً فعالاً ما دام يُعد جريمة. وكان التقاعس عن معالجة افتقاد الثقة في جدوى الإبلاغ عن الانتهاكات سبباً في إعاقة إجراء العدالة في القضايا الفردية إلى جانب إعاقة الجهود المبذولة للتصدي لأمثال هذه الانتهاكات على مستوى المجتمع كله، لأن من عواقب هذا التقاعس إخفاء النطاق الكامل للمشكلة وطبيعتها.
وبالرغم من اتخاذ خطوات إيجابية فيما يتعلق بتشريعات الحماية في هذا المجال، فلا تزال بعض الثغرات المهمة قائمة. فبعض البلدان ما زالت تفتقر إلى قوانين تنص بصفة خاصة ومحددة على تجريم العنف في محيط الأسرة، وهناك بلدان أخرى تتقاعس عن جمع البيانات الإحصائية الشاملة مما يؤدي إلى الحيلولة دون توفير الخدمات المناسبة أو الوقاية من الانتهاكات، وهو الأمر الذي يشكل بدوره مزيداً من خذلان المرأة.
ومنذ أن صدر في جورجيا في عام 2006 قانون جديد بشأن العنف في محيط الأسرة، أصدرت الشرطة والمحاكم، أو أقرت، كثيراً من أوامر بالحماية أو التحفظ، إلا إن بعض البنود الأساسية في القانون لم تُوضع موضع التنفيذ الكامل أو الفوري، وظل عدد دور الإيواء المخصصة لضحايا العنف في محيط الأسرة غير كاف. وكان من بين التدابير الإيجابية التي اتخذتها إسبانيا إصدار بروتوكول للعاملين في المهن الطبية الذين يتعاملون مع ضحايا العنف في محيط الأسرة. ومع ذلك، فمازالت المهاجرات يتعرضن بصورة خاصة للعنف، إذ مازلن يعانين من التمييز في نصوص القانون وفي الواقع العملي حين يحاولن نيل العدالة أو الانتفاع بالخدمات الأساسية، مثل المعونة المالية والعلاج النفسي والإقامة في دور الإيواء.
الاتجار بالشر
استمر الاتجار بالنساء والرجال والأطفال داخل قارة أوروبا وعبرها بغية استغلالهم في القطاعات الاقتصادية غير الرسمية مثل العمل في المنازل والمزارع والمصانع الصغيرة وأعمال البناء، والفنادق، فضلاً عن الاستغلال الجنسي القسري. وكان مثل هذا الاتجار واسع الانتشار، وساعد على ازدهاره الفقر والفساد ونقص التعليم والتفكك المجتمعي.
وعند التنبه لوجود الأشخاص الذين تعرضوا للاتجار فيهم، لم تكن السلطات تعاملهم المعاملة التي يستحقونها باعتبارهم ضحايا لجرائم بشعة، بل كانت في معظم الأحوال تعتبرهم مثل المجرمين، أو باعتبارهم أجانب دخلوا البلد بصورة غير مشروعة، أو كأداة نافعة وحسب في نظام العدالة الجنائي. وإذا قدمت السلطات أية مساعدة لضحايا الاتجار، فكثيراً ما كانت تشترط عليهم التعاون في القضايا المرفوعة على من تاجر فيهم. وكان مثل هذا التعاون في كثير من الأحيان يجلب المزيد من الأخطار لضحايا الاتجار ولأفراد أُسرهم.
وكان من النادر أن يستطيع ضحايا الاتجار اللجوء إلى العدالة طلباً للانتصاف والحصول على التعويض ورد الاعتبار، فالأجانب الذين لا حق لهم في الإقامة في البلد الذي عُثر عليهم فيه غالباً ما يكون مآلهم الترحيل دون نظر إلى الأخطار التي قد يواجهونها عند العودة، سواء كانت إعادة المتاجرة فيهم أو الثأر منهم أو غير ذلك من أشكال العنف.
ولم تركز دول كثيرة في هذا المجال على حماية واحترام حقوق الأشخاص الذين تعرضوا للاتجار. فقد كانت الغالبية العظمى من النساء اللائي تم الاتجار بهن في اليونان يفتقرن إلى إقرار السلطات بوضعهن، ومن ثم لم يكن بوسعهن الحصول على حقهن في الحماية والمساعدة. وفي سويسرا، يمكن منح ضحايا الاتجار بالبشر تصاريح إقامة مؤقتة ريثما تنتهي إجراءات القضايا الجنائية التي يشهدون فيها، ولكنهم يفقدون حق الإقامة إذا انتهت الإجراءات.
ومع ذلك، فقد شهد عام 2007 تطوراً إيجابياً، إذ وصل عدد البلدان التي صدَّقت على "اتفاقية مجلس أوروبا الخاصة بالعمل ضد الاتجار بالبشر"، إلى 10 بلدان، وهو ما يعنى أن هذه الاتفاقية سوف تدخل حيز التنفيذ بالنسبة لهذه البلدان اعتباراً من فبراير/شباط 2008. وفي البرتغال، لم يعد ضحايا الاتجار بالبشر يُعتبرون مهاجرين غير شرعيين.
في يناير/كانون الثاني، حكمت محكمة الجرائم الخطيرة في ألبانيا على فاتوس قبلاني بالسجن 16 عاماً، وعلى أربين عثماني بالسجن 15 عاماً، لإدانتهما بالاتجار في أطفال وتهريبهم إلى اليونان وإرغامهم على العمل بالدعارة أو التسول. وما برحت حماية الشهود تمثل مشكلة في ألبانيا. وقد تلقى الموظفون العاملون في إدارة حماية الشهود في وزارة الداخلية برامج تدريبية بخصوص حماية الشهود، وفي إبريل/نيسان أقرت الحكومة معايير لمعاملة الضحايا. ومع ذلك، بدأت الشرطة، في نوفمبر/تشرين الثاني، إجراءات قضائية ضد فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً بسبب "التقاعس عن الإبلاغ عن جريمة"، وذلك بعدما رفضت الإفصاح عن هوية الأشخاص الذين تاجروا بها وهربوها إلى إيطاليا حيث أُجبرت على ممارسة الدعارة عندما كان عمرها 14 عاماً.
وصل عدد البلدان التي صدَّقت على "اتفاقية مجلس أوروبا الخاصة بالعمل ضد الاتجار بالبشر"، إلى 10 بلدان، وهو ما يعنى أن هذه الاتفاقية سوف تدخل حيز التنفيذ.
قمع المعارضة
تضاءلت في أجزاء كثيرة في هذه المنطقة المساحة المتاحة للأصوات المستقلة والمجتمع المدني، مع استمرار الاعتداء على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات. ففي تركيا، استمر سريان القوانين التي تُكمم أفواه المعارضين ممن يعبرون بصورة سلمية عن آرائهم، وكان هناك محامون وصحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان من بين ضحايا المضايقة والتهديد والقضايا الظالمة والاعتداءات العنيفة. وساد جو من التعصب في أعقاب إطلاق النار على الصحفي التركي الأرمني هرانك دينك.
وفي أوزبكستان، استمر التراجع في حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات، ولم تظهر بادرةٌ تُبشِّر بتخفيف الضغوط على المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء والصحفيين المستقلين. وتواصلت حملة القمع التي تستهدف هيئات المجتمع المدني في بيلاروس، حيث كان من يمارسون أي شكل من أشكال النشاط العام لا توافق عليه الدولة، بما في ذلك العبادة الدينية، عرضةً للمحاكمة، وحيث ساد الاستخفاف بحرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وعقد الاجتماعات. وبالرغم من أن الرئيس الجديد في تركمانستان قـد عَدَل عـن بعض سياسات أسلافه، فإن البلاد لم تشهد تحسناً جوهرياً في مراعاة حقوق الإنسان، وكان المعارضون والصحفيون المستقلون ونشطاء المجتمع المدني وأفراد الأقليات الدينية من بين الذين أفادت الأنباء بتعرضهم للمضايقة أو الاحتجاز أو السجن. وفي أذربيجان، تعرض عدد من الصحفيين المستقلين والمعارضين للسجن بتهمة التشهير، فضلاً عن المضايقات على أيدي الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، بل وتعرضوا في بعض الأحيان لاعتداءات بدنية من مجهولين. وقد أُغلقت صحيفتان معارضتان واسعتا الانتشار، كما صادرت أجهزة الحكم المحلى أو حظرت بعض طبعات صحف المعارضة التي نشرت تحقيقات صحفية تعالج قضايا سياسية حساسة.
وقد ازداد باطراد رفض السلطات الروسية للاعتراض أو النقد، واصمة إياه بأنه "غير وطني"، وتجلى قمعها للحقوق المدنية والسياسية على مدار العام، وخاصةً عشية الانتخابات البرلمانية في ديسمبر/كانون الأول. وما برحت المنظمات غير الحكومية تئن تحت وطأة الشروط التي تلزمها بالإبلاغ عن أنشطتها، وهي الشروط التي فرضتها التغييرات في القوانين.وتعرض الساعون للعدالة في الشيشان ومنطقة شمال القوقاز الشاسعة للترهيب ولأعمال انتقامية.
ولكن، على الرغم من صنوف التهديد والترهيب والاحتجاز، فقد ظل المدافعون عن حقوق الإنسان في شتى أرجاء المنطقة يستمسكون بالرؤية التي برزت عام 1948، وثابروا في عملهم بعزيمة صادقة فألهموا غيرهم بالانضمام إليهم في سعيهم من أجل تحقيق تغيير دائم واحترام الحقوق الإنسانية للبشر كافةً.
تعرضت سمية أبزوفا، البالغة من العمر 76 عاماً، للضرب على أيدي مجموعة من الشبان، أثناء سيرها إلى السوق في بلدة أرغن بجمهورية الشيشان، يوم 9 يناير/كانون الثاني. وكانت هذه السيدة تطالب بإجراء تحقيق في مقتل ابنها في عام 2005، وتعرضت للتهديد أكثر من مرة، على حد قولها، من جانب الأشخاص الذين اعتقلوا ابنها واقتادوه من منزل الأسرة، ويُشتبه أنهم من أفراد قوات الأمن الشيشانية.
اخر اخبار حقوق الانسان تجدونها على موقعنا باللغة العربية




